محمد بن الطيب الباقلاني

29

إعجاز القرآن

ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة ، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة - لتوافوا إلى القبول جملة واحدة . / فإن قيل : فكيف يعرف البليغ الذي وصفتموه إعجاز القرآن ؟ وما الوجه الذي يتطرق به إليه ، والمنهاج الذي يسلكه ، حتى يقف به على جلية الامر فيه ؟ قيل : هذا سبيله أن يفرد له فصل . * * * فإن قيل : فلم زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الاتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات ، وتصرفهم في أجناس الفصاحات ؟ وهلا قلتم : إن من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة بوجه ( 1 ) من هذه الطرق الغريبة - كان على مثل نظم القرآن قادرا ، وإنما يصرفه الله عنه ضربا من الصرف ، أو يمنعه من الاتيان بمثله ضربا من المنع ، أو تقصر دواعيه [ إليه ] دونه ، مع قدرته عليه . ليتكامل ما أراده الله من الدلالة ، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة ، لان من قدر على نظم كلمتين بديعتين ، لم يعجز عن نظم مثلها ، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى ، وكذلك الثالثة ، حتى يتكامل قدر الآية والسورة ؟ فالجواب : أن لو صح ذلك لصح لكل من أمكنه نظم ربع بيت ، أو مصراع من بيت - أن ينظم القصائد ويقول الاشعار ، وصح لكل ناطق - قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة - نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة ! ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن . على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه / الممتنع ، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه ، ومنع ( 2 ) من مقدار الفصاحة في نظمه ، [ كان ] أبلغ في الأعجوبة ( 3 ) ، إذا صرفوا عن الاتيان بمثله ، ومنعوا من ( 4 ) معارضته ، وعدلت دواعيهم عنه ، فكان يستغنى عن إنزاله على النظم البديع ، وإخراجه في ( 5 ) المعرض الفصيح العجيب .

--> ( 1 ) س : " وتوجه " ( 2 ) س : " ووضع " ( 3 ) م : " في العجوبة " ( 4 ) س : " عن " ( 5 ) م : " على "